اعلام مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية في جامعة بابل

القانون الروماني وتأثيره على القوانين الحديثة اللاحقة : م . مساعد :مصطفى فاضل الخفاجي

quality iso   تاريخ نشر الموضوع 10/06/2013 حرر بواسطة اعلام مركز بابل
quality iso   3070 زائر تصفح هذا الموضوع
view in plain mode  نسخة للطباعة



 
 
القانون الروماني ولد قانوناً بدائياً ليحكم مدينة صغيرة وما لبث إن أصابه التطور على اثر التغيرات السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، فامتد حكمه إلى الإمبراطورية الرومانية بأسرها التي ضمت أجناساً وحضارات متباينة فمنذ العصور الوسطى وحتى القرن الماضي كان يقصد بالقانون الروماني مجموعة القواعد القانونية التي احتوتها المجموعات القانونية التي أمر الإمبراطور (جنستيان) بتقنينها في القرن السادس الميلادي والتي كان يطلق عليه اسم CORPUS GURIS CANONICIS   بالمقابلة مجموعات القانون الكنسي والتي كانت تسمى CORPUS GURIS CANONICIS  ولكن تحت تأثير المدرسة التاريخية عدل الفقه عن هذا التعريف الضيق للقانون الروماني وتبنى تعريفاً أخر أكثر اتساعاً والذي ذاع استعماله منذ القرن الماضي وحتى يومنا هذا وطبقا لهذا التعريف فان القانون الروماني هو مجموعة القواعد والنظم القانونية التي كانت سائدة ومطبقة في المجتمع الروماني منذ نشأة مدينة روما عام 754(ق0م) وحتى صدور مجموعات الإمبراطور (جنستيان) في القرن السادس الميلادي وكان لهذا أثره في بلوغ هذا القانون درجة كبيرة من التطور والسمو مكنته من البقاء والخلود وجعلت منه أساسا لمعظم التشريعات الحديثة فقد كان القانون الروماني مصدرا تاريخياً لمعظم القوانين الحديثة فالقانون الفرنسي الصادر سنة 1804م اخذ أحكامه من القانون الروماني وكان للقانون الفرنسي الدور الوسيط بين القانون الروماني وقوانين الدول الحديثة كذلك كان للقانون الروماني أثره في القوانين الجرمانية والأنظمة السائدة في البلاد الأنجلوسكسونية ويرى العلامة الألماني (أهرنك) إن الحضارة الأوربية الحديثة تقوم على أساسين تاريخيين هما الفلسفة اليونانية  ، والقانون الروماني ويذهب (ميشيل فيليه) إلى انه لولا الفلاسفة اليونانيون والقانونيون الرومان لكانت الحضارة الأوربية على غير ما نراها عليه اليوم . ويضيف إلى ذلك انه إذا كان الإغريق قد خلفوا فلسفة والرومان قانونا فورث الأوربيون تلك الفلسفة وذلك القانون فقد خضعوا للقانون الروماني إلى درجة أبعد فالقوانين الحديثة اقتبست (شكلاً  ، وموضوعاً) كثير من النظم والمصطلحات القانونية التي احتواها القانون الروماني مما يجعل أمر الرجوع إلى أصولها التاريخية هي ضرورة تفهمها على الوجه الصحيح فمن الناحية الشكلية نرى إن التعابير القانونية المستعملة في اللغات الغربية (للملكية ، والإرث ، والوصية ، والشركة ، والوكالة) كلها اصطلاحات لاتينية لازالت مستعملة في اللغات الغربية . إما من الناحية الموضوعية فان القوانين اللاتينية بصورة عامة اعتمدت اشد الاعتماد على القانون الروماني ، وكذلك اقتبست القوانين الحديثة ألسمه (العملية ، والعلمية ) من تلك القوانين والنظم الرومانية  فمن الناحية العملية هي ما وصل إليه من درجة عالية من الكمال أما من الوجهة العلمية فأثره في تكوين الشرائع الحديثة وخاصة المدينة منها ومن هنا ظهرت أهمية دراسة القانون الروماني في مختلف الدول وجعل منه مادة تدرس في الجامعات والمعاهد في المجال القانوني ويرجع إلى الرومان الفضل في اعتبار القانون علماً قائماً بذاته ففرقوا بينه وبين قواعد الدين ، والفلسفة ، والأخلاق فهو وان كان يتأثر بهذه العلوم إلا انه يختلف عنها من حيث طبيعة قواعده ، ومجال تطبيقه ، وطريقة دراسته كما يرجع إلى الرومان الفضل في وضع الأسس القانونية التي ما زالت أساسا للدراسات الحديثة فوضعوا التقسيمات والتفريعات القانونية واستنبطوا من الحلول الفردية قواعد عامة مجردة وبينوا كيفية تكملة النقص الظاهر في القواعد القانونية وسبل تفسيرها حتى تتلاءم مع المتغيرات في المجتمع لذلك فقد قيل عن الرومان بأنهم خلقوا ليحملوا رسالة القانون إلى العالم .
ولهذا يعتبر القانون الروماني أعظم تراث قانوني ورثته الحضارة الحديثة عن العالم القديم فقد أصبح القانون الروماني عنصراً من عناصر مدينتنا الحديثة على حد تعبير الفقيه الألماني اهرنج IHRNIG كما قال عنه في موضع أخر ((إن روما غزت العالم ثلاث مرات الأولى : بجيشها ، والثانية : بدينها ، والثالثة : بقانونها ، وكان الفتح الأكثر سلماً والأبعد مدى)) 
ولهذا نستطيع القول إن القانون الروماني قد مر بمراحل طويلة تطور خلالها من إحكام محدودة بحدود ضيقة محكومة بفضاء علاقات شعب بدائي هو شعب مدينة روما ثم مالبث إن تطور بفضل الفقهاء القانونين الذين استطاعوا أن يستفيدوا من النتاج الفكري لغيرهم من الأقوام القديمة ، فتمكنوا من أن يكثفوا المبادئ الفلسفية السامية التي توصل إليها العقل اليوناني فجعلوا منها قواعد قانونية ممكنة التطبيق على العلاقات الإنسانية وان يقتبسوا من أمم أخرى ما أثبتت التجربة العملية صلاحه من القوانين والنظم ولذلك فان ما نطلق عليه اسم القانون الروماني يمكن أن يعكس لنا نتاج الفكر الإنساني القديم ومن هنا نستطيع القول إن القانون الروماني يقدم نموذجاً جيداً لدراسة نشوء القوانين الوضعية وتطورها والأطلاع على عوامل تطور هذه القوانين ووسائله ونتاجه فالقانون الروماني الذي نشا لينظم العلاقات في مجتمع بدائي فاتصف بما تتصف به القوانين البدائية من صفات توفرت له فيما بعد عوامل التطور ووسائله فتطور حتى أصبح من آثار العقل الإنساني البارزة .