اعلام مركز بابل للدراسات الحضارية والتاريخية في جامعة بابل

فكرة القانون الطبيعي في العصور الحديثة (سياسة) مقالة للمدرس المساعد مصطفى فاضل الخفاجي

quality iso   تاريخ نشر الموضوع 06/06/2013 حرر بواسطة اعلام مركز بابل
quality iso   2212 زائر تصفح هذا الموضوع
view in plain mode  نسخة للطباعة



 
 


فكرة القانون الطبيعي في العصور الحديثة (سياسة)     م .مساعد مصطفى فاضل الخفاجي
يتمثل مذهب القانون الطبيعي فيما ذهب إليه الفلاسفة والفقهاء منذ القدم من وجود قانون أعلى من القوانين الوضعية وهذه الفكرة تعبر عن نزعة الإنسان إلى الكمال ، وهي ليست من صنع الإنسان ، بل هي قواعد أبدية ثابتة أودعها الله في الكون وان المشرع مطالب بالاقتداء بها عند وضع التشريع .
 فقد كانت فكرة القانون الطبيعي عند الإغريق فكرة فلسفية تقوم على التأمل في مظاهر الحياة الاجتماعية ومحاولة الكشف عن طبيعتها ، فلاحظ فلاسفة اليونان النظام الثابت الذي يسير عليه الكون ويخضع له كل ما يوجد في هذا الكون من ظواهر طبيعية .
وكانت فكرة القانون الطبيعي عند الرومان ورجال الكنيسة في القرون الوسطى فكرة قانونية ، ودينية . فقد انتقل مذهب الرواقية إلى الرومان ، فتأثروا بمذهبهم القائم على النزعة الفردية ، وبفكرة وجود قانون طبيعي ، فالقانون الطبيعي عندهم ينطبق على كافة الشعوب لأنه أعلى من القوانين الوضعية وسابق على وجودها ، وخلال القرنين السابع عشر ، والثامن عشر فقد وجدت فكرة القانون الطبيعي طريقها كـ(مذهب) حيث ظهر الكثير من الفلاسفة والفقهاء كان أبرزهم الفقيه الهولندي (جروسيوس) فقد تخلص القانون الطبيعي مما ألصقته به العصور الوسطى من طابع ديني ، فقد تحرر بذلك القانون من رجال الدين ، واتجه بالقانون الطبيعي وجهة العدل وتحرر بذلك من تحكم الدول وقبضة السلطان ولهذا فقد كان القانون الطبيعي في العصور الحديثة ذا طابع سياسي . فعلى الرغم من إن القانون الطبيعي كان في البدء وبشكل مميز قوة محافظة تشجع على طاعة الحكام الذين يملكون السلطة بحكم النظام الطبيعي الصادر عن الله جل جلاله ، فانه ليس في صلب فكرة القانون الطبيعي ما يلزم بتأييد الملكيات أو الحكام الموجودين ، وحتى في العصور الوسطى دعا كتاب أمثال (مارسيليو اوف بادوا Marsilio of Padua) إلى إن الديمقراطية ليس فقط في الدولة بل أيضاً في الكنيسة الكاثوليكية استنادا الى مبادئ القانون الطبيعي ، وأصبحت هذه الأفكار أكثر شيوعا بعد النهضة ، واكتسبت التأييد الفكرة القائلة بان الإنسان يمتلك بعض الحقوق الأساسية في حالته الطبيعية ، وانه عندما نشا المجتمع المتمدن اخذ هذه الحقوق الى وضعه المدني الجديد الذي اكتسبه في المجتمع المدني ، وما تزال هذه الحقوق مصونة بالقانون الطبيعي . وأعطى الفقيه (لوك Locke) البريطاني هذه الفكرة دفقاً مهماً حين يرى وعلى وفق العقد الاجتماعي (الذي كان معظم الكتاب يعتبرونه أصل المجتمع المتمدن نظريا على الأقل) فان سلطة الحكومة تمنح فقط عندما يثق الشعب بالحكام ، وان أي انتهاك من جانب الحكومة للحقوق الطبيعية الأساسية للشعب تنهي هذه الثقة ، وتخول الشعب تولي السلطة من جديد ، ويذهب أنصار هذا المذهب إلى إن هناك قانونا طبيعيا ثابتا أزلياً وخالدا لا يتغير من حيث المكان والزمان أودعه الله في الأرض شان الطبيعة وحياة الإنسان وينحصر دور العقل البشري في اكتشاف إسرار هذا القانون الذي فيه خيرهم وصلاحهم ومن أنصار هذا المذهب جون لوك ، وروسو وقد تعرض أنصار هذه النظرية إلى نقد أنكر وجود قانون طبيعي ثابت غير متغير من حيث الزمان والمكان وان القانون يتغير وفقا لمتطلبات المجتمع والعصر . فقد كان القانون الطبيعي في القرن الثامن عشر له التأثير الواضح على المفكرين والمنظرين من الساسة والفلاسفة والاقتصاديين ، بوصف إن قوانين الطبيعة قواعد عادلة وثابتة ودائمة ، وبناء على ذلك أسسوا البناء النظري للحياة العامة ، ولا سيما الصروح السياسية والاقتصادية والثقافية على ما استنبطوه من قوانين الطبيعة ، وتم أغناء مذهب القانون الطبيعي بمساهمات فكرية هامة : العقلانية عند ديكارت (1569م) والحقوق الفردية عند لوك ، فكرة النظام الطبيعي عند الفيزيوقراط وفكرة العقد الاجتماعي عند روسو ، والمواقف اللادينية لفلاسفة الموسوعة ، فمن  أنصار المذهب الطبيعي (توماس هوبز ، وجون لوك ، وجان جاك روسو) الذين عملوا في نظرية العقد الاجتماعي لتقرير سلطان الأمة والديمقراطية والمساواة بالبحث عن أصل القاعدة القانونية أساس شرعيتها والسبب في إطاعة الإفراد لهذه القواعد ، وللحد من القوانين الوضعية التي تتعارض مع حقوق الإنسان الطبيعية بجعل القانون الطبيعي بمثابة رقيب على عمل المشرع واعتبار خروجه على قواعد هذا القانون خروجا على قواعد العدالة ومفهوما في الحكم . لذا استعان الفلاسفة في القرنين السابع عشر والثامن عشر بالقانون الطبيعي لتسويغ نظام الحكم السائد في أوربا آنذاك أو انتقاده ، فمن جهة حاول (هوبز) استنادا الى حالة الطبيعة والقانون الطبيعي ، تسويغ الملكية المطلقة وإرساء مبادئ لسلطة مستبدة ، بينما حاول آخرون مثل جون لوك وروسو بالاستناد إلى الفكرة نفسها ، التنظير للنظام الليبرالي الحديث وانتقاد الأنظمة الموجودة آنذاك والقائمة على إقصاء المواطن والأمة بوصفه مصدر للشرعية السياسية وعدم الاعتراف بالحقوق الطبيعية للإنسان . وبهذا يرجع الفضل ، كل الفضل ، إلى مبدأ القانون الطبيعي في إيجاد القانون الدولي العام ، ومما لاشك فيه إن أعظم مقاصد القانون الطبيعي قد تحققت بولادة القانون الدولي الحديث .